رأي

من أعطى الضوء الأخضر للحديث الجريء عن هجرة السوريين في الإعلام الموالي؟

لماذا يريد النظام التسبب بموجة هجرة جديدة؟
لماذا يريد النظام التسبب بموجة هجرة جديدة؟

الطريق- إياد الجعفري

 

طغت في الأسابيع القليلة الفائتة ظاهرة مثيرة للاهتمام، في أوساط الإعلام الموالي للنظام؛ إذ يندر أن يمر يوم دون أن تنشر وسيلة إعلام موالية، وجهة نظر لـ "خبير"، أو رجل أعمال، أو مسؤول سابق، أو حتى حاليّ، تحذّر من تداعيات موجة هجرة جديدة للسوريين من البلاد. وتجهد تلك الوسائل في إثبات وجود تلك الهجرة، رغم نفي بعض المسؤولين بحكومة النظام، الأمر الذي يطرح تساؤلاً: من يقف وراء الضوء الأخضر للحديث عن هذا الملف؟

بحكم عملنا لسنوات في الإعلام داخل سوريا، قبل الثورة عام 2011، ندرك كما يدرك الكثير من زملائنا في هذا المجال، أن الإعلام الذي يعمل في مناطق سيطرة النظام، يخضع لتوجيهات دائمة من جانب الأجهزة الأمنية المتخصصة، وأن أي هفوة أو غلطة، يقع بها رئيس تحرير أو كادر صحفي بوسيلة إعلامية موالية، يُقابل بردٍّ فعليٍّ مخابراتي قاسٍ، مهما كان أولئك المخطئون "مدعومين"، إن صح التعبير.

وبالتالي، حينما نجد أنَّ هناك اتجاهاً للتركيز على قضية ما، يظهر جلياً في معظم وسائل الإعلام الموالية، فذلك يقودنا إلى استنتاجٍ يصعب تجاهله، ومفاده؛ أن هناك توجيهاً من جهة أمنية ما؛ بتكثيف الحديث عن هذه القضية.

وحينما تكون تلك القضية محرجة للنظام من الناحية المنطقية، يكون الحديث عنها بجرأة وبكثافة في وسائل الإعلام الموالي، مثيراً للاهتمام، ويتطلب التحليل؛ لأنه قد يعني أن هناك جهات داخل النظام، تريد بالفعل، تكثيف الأضواء على هذه القضية، رغم أنها تنال من هيبة النظام، نظرياً.

ظاهرة الهجرة من سوريا ــ سواء على مستوى نخبة الأعمال، من صناعيين وتجار، أو حتى على مستوى الحرفيين وأصحاب المشاريع المتوسطة والصغيرة، أو على مستوى الشباب الفارين من الخدمة الإلزامية ومن شح فرص العمل وضيق أفق المستقبل في البلاد ــ ترافق الحديث عنها، مع الإشارة المتكررة، من أكثر من خبير ومسؤول سابق، عبر وسائل الإعلام الموالية، إلى أنَّ أسبابها ترجع بصورة رئيسية إلى أداء الحكومة السيء وإجراءاتها وقراراتها التي تضيّق على السوريين، وتدفعهم للهروب من البلاد.. كل ذلك يقود إلى نتيجة مفادها أنَّ هناك جهةً ما تريد بث اليأس من الوضع في البلاد، جهراً وعلى نطاق واسع، وعبر وسائل إعلام موالية، تتمتع بانتشار ومتابعة. حتى إنَّ بعض الصفحات الفيسبوكية الموالية، الشهيرة، تزخر بإعلانات مكاتب السياحة التي تدعو للهجرة إلى مصر والإمارات مثلاً، وتقدم سبل ذلك.

المثير للاهتمام أكثر، أنَّ معظم التعليقات للخبراء والمسؤولين السابقين، ورجال الأعمال، التي تنشرها وسائل الإعلام الموالية حول هذه القضية، تدفع باتجاه تحميل الحكومة مسؤولية ذلك. في الوقت نفسه، تُظهر الحكومة ردود فعلٍ "باردة"، ولامبالية، حيال ملفٍ في غاية الخطورة، تزخر وسائل إعلام موالية، ليل نهار، بالتحذيرات منه.

 فكيف يمكن فهم ذلك؟

 إنَّ الخلاصة التي قد يخرج منها، مواطن سوري، يقبع في مناطق سيطرة النظام، ويتابع كل تلك التعليقات عبر الإعلام الموالي، وردود الفعل الحكومية الباردة واللامبالية، هي أنَّ عليه مغادرة سوريا بأسرع وقت. أي أنَّ النتيجة من ذلك هي بث حالة "اليأس" من تغير الأوضاع في البلاد قريباً. وذلك على خلاف الخطاب الحافل بالتفاؤل الذي كان يُبث بكثافة عبر الإعلام الموالي، قبيل "انتخابات" الرئاسة الأخيرة.

ولأنَّ عملية بث اليأس تلك، تتم عبر الإعلام الموالي ذاته، في موجة تبدو موجهة بشكل جلي؛ لا يمكن أن نخلص من ذلك إلا بنتيجة واحدة، مفادها أنَّ ما يبثه الإعلام الموالي يتضافر مع إجراءات حكومة النظام في "تطفيش" السوريين من بلادهم، باتجاه تحقيق هدفٍ واحدٍ، وهو تهجير أكبر كم ممكن من السوريين، بالفعل.

لكن، لماذا يريد النظام، التسبب بموجة هجرة جديدة للسوريين؟ انتقاء جواب حاسم ووحيد على هذا التساؤل، قد يكون صعباً، مع انعدام الشفافية في أداء النظام، الأمر الذي يقودنا إلى جملة إجابات، قد يكون بعضها، أو جلّها، صحيحاً. من ذلك، أن النظام يريد تخفيف عبء الكثافة الديمغرافية الملقاة على عاتقه، والتي عليه توفير الخدمات والاحتياجات الأساسية لها؛ لأنه يراهن على مماطلة مطوّلة، ربما لسنوات قادمة، مع الأطراف الإقليمية والدولية التي تريد حلاً مستداماً للأزمة السورية. وبالتالي، فهو يريد التخفف من بعض الأعباء الاقتصادية التي تضغط عليه، وأن يحوّل جزءاً من السوريين، من سكان محليين، يتوجب عليه توفير الوقود والرز والسكر والخبز لهم، إلى مغتربين، يرفدون خزينته بدولار الحوالات، شهرياً، عبر إرسال بعض الأموال لأقاربهم المتبقين في البلاد. وقد يكون من الإجابات الممكنة أيضاً، أنَّ إيران، بفعل نفوذها داخل أجهزة ومؤسسات النظام، تريد تفريغ البلاد من كوادرها ونخبها، لإحلال بدائل محسوبة عليها، في سياق مشروعها لـ "تشييع" سوريا، وضمان استقرار وجودها الدائم فيها. وقد تكون هناك إجابات أخرى. لكن لا يبدو أنَّ إجراءات الحكومة "التطفيشية" للسوريين، وتزامنها مع بث حالة من اليأس عبر الإعلام الموالي، من خلال تصوير المشهد على حقيقته تماماً، مع غياب تقديم الحلول، لا يبدو أن ذلك يسير بشكل عشوائي، ودون تخطيط مسبق.

وتبقى التداعيات المرتقبة لموجة الهجرة الراهنة للسوريين، كارثية بالفعل على ما تبقى من سوريا، أو ما سيتبقى منها. ويبقى أن مصير البلاد سيصبح معلّقاً أكثر بأجندات إيران، وحليفها الأسد، بصورة رئيسية، وسط عجز أو تواطؤ من باقي القوى الإقليمية والدولية.