رأي

ما بين 1973 وحرب غ..زة.. نقاط ضعف العلاقة التحالفية الأميركية - الإسرائيلية

الاثنين, 11 ديسمبر - 2023

إياد الجعفري


في أثناء إعداد هذا المقال، ظهيرة السبت، كان يمكن رصد أكثر من تقرير وتصريح في وسائل إعلام عربية وعالمية، يشير إلى العزلة الدبلوماسية التي أخذت تحيط بالولايات المتحدة الأميركية، والتي تتزايد يوماً تلو الآخر على الصعيد العالمي، وذلك من جراء الدعم الأميركي اللامحدود، علناً، لإسرائيل. وخاصةً، بعد استخدام واشنطن لحق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار يدعو إلى "وقف فوري لإطلاق النار لدواع إنسانية" في قطاع غزة.

ولو كُتب لوزير الخارجية الأميركي السابق، هنري كيسنجر، أن يحيا حتى الساعة، لكان استذكر موقفاً مشابهاً عاشته العلاقة التحالفية بين إسرائيل والولايات المتحدة، خلال حرب تشرين الأول/أكتوبر عام 1973، حينما تزايدت مخاوف كيسنجر، من أن تبقى الولايات المتحدة وحيدة مع إسرائيل ومعزولة في الأمم المتحدة. وصولاً إلى الخشية من خسارة العلاقة الوطيدة مع الحلفاء في أوروبا واليابان.

في تصويت الجمعة على قرار وقف إطلاق النار، مثال صارخ على تكرار هذه المشهدية في العلاقة الإسرائيلية الأميركية. فمن أصل 97 دولة انضمت إلى مشروع وقف إطلاق النار، وصوتت بشكل رمزي إلى جانب أعضاء مجلس الأمن الثلاثة عشر، الذين أيدوا وقفاً عاجلاً للحرب، كانت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي رفضت المشروع، وأجهضته، باستخدام (الفيتو).

وتعكس الكلفة السياسية الباهظة التي تدفعها واشنطن دعماً لإسرائيل، نفوذ اللوبي اليهودي داخل دوائر صنع القرار والمؤسسات والنخبة الأميركية. لكن ذلك هو المكشوف من العلاقة التحالفية الوطيدة بين الطرفين. فالمخفي الذي سُرّب كثيرٌ عنه إعلامياً يؤشر إلى التناقضات ومشكلات الثقة التي تتفاقم في أزمات مماثلة، بصورة تجعل الدفاع عن مصالح إسرائيل داخل أروقة صنع القرار بواشنطن مهمة ليست بالهينة.

ويضيء هنري كيسنجر، في الجزء الثاني من مذكراته، على لمحات مباشرة وصريحة لهذه التناقضات في المصالح، ومشكلات الثقة في التواصل بين واشنطن وتل أبيب، في أحلك الظروف، خلال حرب 1973. ورغم الفروق الكبيرة بين تلك الحرب والحرب الإسرائيلية الجارية الآن ضد الفلسطينيين في غزة، إلا أن نقاط الضعف في العلاقة التحالفية بين واشنطن وتل أبيب بقيت ذاتها.

وفي حين تنظر واشنطن إلى دعم إسرائيل وضمان أمنها، بوصفه تعبيراً عن استمرارية نفوذها في المنطقة نظراً لكون إسرائيل أبرز حلفائها فيها، تتناقض مصالح الطرفين في كثيرٍ من القضايا. ويرجع هذا التناقض أساساً إلى ضيق أفق صانع القرار في تل أبيب، وانحساره ضمن هوامش ضيقة مرتبطة بالسياسة الداخلية المعقّدة. خاصة في أوقات الأزمات والصدمات، كما حدث بعيد عبور المصريين لقناة السويس في 6 تشرين الأول/أكتوبر 1973، وكما حدث بعيد عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023

ويمر كيسنجر في مذكراته على أكثر من تناقض ميّز المصالح الأميركية – الإسرائيلية، بعيد اندلاع حرب 1973. من أبرزها خشية واشنطن من خسارة العلاقات الوطيدة التي أسستها مع دول عربية تصفها بـ"المعتدلة"، والخشية من عودة النفوذ السوفييتي إلى المنطقة بفعل الحرب. وهي تناقضات تكررت في الحرب الجارية، إذ تخشى واشنطن من أثر الحرب على علاقاتها مع حكومات وشعوب في المنطقة. ناهيك عن خشيتها من مكاسب سياسية يمكن أن يحصدها الروس والصينيون، من جراء ذلك. وكانت إسرائيل قد أظهرت ضيق أفق حيال مخاوف واشنطن تلك، عام 1973. وها هي تكرر ذلك، اليوم أيضاً.

وفي مثال مشروع قرار وقف إطلاق النار في مجلس الأمن الدولي الذي بذلت واشنطن من أجل عرقلته كلفة سياسية باهظة، يوم أمس الجمعة، يذكر هنري كيسنجر عام 1973، امتعاضه الشديد من اضطرار بلاده لدفع كلفة مماثلة، كُرمى لرغبة إسرائيل في استمرار الحرب حينما تمكنت من محاصرة الجيش المصري الثالث، غربي قناة السويس. وبعد استعراض الدعم الأميركي اللامحدود الذي ساعد إسرائيل على استيعاب صدمة عبور القناة، والهجمة العربية الأولى، لتعكس المشهد، وتتحول الحرب لصالحها، يقول كيسنجر في مذكراته: "أما الآن فلسنا على استعداد لتدمير علاقاتنا مع أوروبا واليابان ونتحمل خطر حظر بترولي، متجاوزين الأعراف الدولية، وغير عابئين بإرادة السوفييت، وإثارة آخر أصدقاء لنا من العرب، ونحن نؤجل إلى ما لا نهاية وقف إطلاق النار".

يومئذ تعرضت إسرائيل لضغوط أميركية لتعجيل عملياتها العسكرية، ووقف إطلاق النار. واليوم، يُشاع إعلامياً، وعلى نطاق واسع، أن ضغوطاً مماثلة تتم ممارستها أميركياً على تل أبيب. ورغم نفي واشنطن الرسمي لما تم تداوله عن مهلة أميركية لإسرائيل حتى نهاية الشهر الجاري، فإن تجربة العام 1973، تؤشر إلى أن ما نقلته وسائل إعلام دولية بهذا الخصوص، على الأرجح، دقيق.

نقاط الضعف في العلاقة التحالفية بين واشنطن وتل أبيب لا تقف عند تناقضات المصالح، بل تمتد إلى مشكلات الثقة بين مسؤولي الطرفين. ويسهب كيسنجر في مذكراته، بالإشارة إلى مشكلات الثقة تلك. ومنها، تشكيكه في صحة ما كان يقوله له المسؤولون الإسرائيليون، وصولاً إلى اتهامه لـ غولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل عام 1973، بأنها غشّته، باستخدام عبارات محددة خلال مراسلاتها مع المسؤولين الأميركيين. كذلك اتهم كيسنجر صنّاع القرار بإسرائيل، يومذاك، بالعناد وضيق الأفق في النظر للمستقبل، وبالمماطلة في الإجابة عن أسئلته واقتراحاته في منعطفات حرجة خلال أيام الحرب.

وفي حين لا يتوافر بين أيدينا، في الوقت الراهن، ما يكفي من دلائل على مشكلات ثقة مشابهة، تدور الآن، بين صنّاع القرار في إسرائيل ونظرائهم في واشنطن، إلا أن شروحات كيسنجر وتشخيصه لخلفيات هذه المشكلات، متمثلةً بخصائص السياسة الداخلية الإسرائيلية التي لم تتبدل منذ خمسين سنة، تجعلنا نظن أن المشهد ذاته، يتكرر الآن، كما كان عام 1973. وعلى الأرجح، فإن أنتوني بلينكن، اليهودي الأبوين، يواجه المعضلات ذاتها التي واجهها سلفه، كيسنجر الذي قال في مذكراته: إنه في الأيام الأخيرة من الحرب أمضى أوقاتاً طويلة في إقناع زملائه (داخل الإدارة الأميركية) بعدم التخلي عن إسرائيل علناً. قبل أن يشير بعبارة عميقة: "إسرائيل لا تُعاقب على أعمالها أبداً، بل على تعاليها وعزلتها".

أما التشخيض الذي قدّمه كيسنجر لأسباب ضيق أفق صانع القرار الإسرائيلي، فيرجع بصورة أساسية إلى البيئة السياسية الداخلية المعقّدة، وإلى الاعتبارات الانتخابية، ومصالح الموظفين الكبار، وخشيتهم على مستقبلهم السياسي. إلى جانب اعتبارات سيكولوجية، يبدو أنها لصيقة بالشخصية الإسرائيلية. وفي هذا يقول كيسنجر عما حدث عام 1973: "إن الحكومة الإسرائيلية منهمكة جداً، بما لديها من اختلاجات سياسية داخلية تعاني منها، ولا تستطيع رؤية هذا الواقع، ولم تكن غايتها سوى الثأر، وإعادة سمعة عدم الانهزام التي أفقدتها إياها هذه الحرب".

المشهدية آنفة التفصيل تتكرر اليوم بصورة تقترب من حد التطابق. فاعتبارات صنّاع القرار الإسرائيليين، الشخصية، من جراء مسؤوليتهم أمام "شعبهم" عن الفشل في منع حصول صدمة طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول 2023، إلى جانب رغبتهم في الثأر واستعادة الهيبة المهدورة، هي أسباب هذا الإيغال في دماء المدنيين الفلسطينيين. وهي اعتبارات لا تخدم أية أهداف استراتيجية حقيقية. وها هي الحرب تتقدم في شهرها الثالث، دون أن تتمكن إسرائيل من تحقيق أية أهداف، من تلك التي أعلنت عنها بداية الحرب.

لذلك فإن الشائعات عن مهلة وضغوط أميركية، تبدو حقيقية. وكما أن إسرائيل توقفت في نهاية حرب 1973، بضغط أميركي مباشر، وفق مذكرات كيسنجر، وبعد عناد مطوّل، فإنها ستتوقف الآن، بضغط أميركي أيضاً. وستبقى نقاط الضعف في العلاقة التحالفية بين الطرفين، مدخلاً مناسباً لأطراف ثالثة، للتأثير، إن أحسنت استعمال الوسائل المناسبة.

وكما كانت خاتمة حرب 1973 مفتاحاً لدبلوماسية أميركية نشطة لتحقيق سلامٍ يفرض على إسرائيل تنازلات نوعية مؤلمة عن أراضٍ محتلة في مصر، من المرجح أن تشهد خاتمة حرب 2023، سعياً أميركياً جدياً، لإعادة التفاوض حول حل الدولتين، مجدداً. وهو السيناريو الذي سيكون مؤلماً للغاية، إسرائيلياً.


المصدر: تلفزيون سوريا