رأي

ماذا لو عاد نفط "شرق الفرات"إلى قبضة النظام؟

الأحد, 28 يناير - 2024

إياد الجعفري


من المغري أن نجري عصفاً ذهنياً، يستشرف الواقع المرتقب للاقتصاد السوري، تحديداً على صعيد توافر المشتقات النفطية وخدمة الكهرباء، في ظل سيناريو متخيّل، يتمثّل في عودة حقول النفط في "شرق الفرات" إلى قبضة النظام في دمشق.

أما مناسبة هذا "العصف الذهني"، فهي تلك الأنباء التي أشاعتها مصادر إعلامية غربية، خلال الأيام القليلة الفائتة، حول وجود نيّة جدّية لدى الإدارة الأمريكية، بدراسة سيناريو الانسحاب من سوريا. والآن، دعونا نغض الطرف تماماً، عن مدى دقّة هذه الأنباء، رغم النفي الرسمي لها. ودعونا نتجاهل المدى الزمني المحتمل والأثمان السياسية المتعلّقة بمصير سلطة الإدارة الذاتية الكردية، قبل تنفيذ هكذا انسحاب. ولنركّز فقط على ثروة النفط المتوفرة في "شرق الفرات"، على اعتبار أن الجزء الأكبر من مصادر الغاز هي الآن في قبضة النظام. ولنتخيّل فقط، أن هذا السيناريو تحقق في أمد زمني قريب، وأن أبرز مصادر ثروة السوريين النفطية، بنسبة 90%، رجعت إلى قبضة "الدولة" في دمشق. كيف سيتغير واقع السوريين المعيشي، حينها؟ 

للإجابة، دعونا نستند إلى الأرقام "الرسمية"، التي تشير إلى أن الاستهلاك المحلي اليومي نحو 250 ألف برميل نفط، في مناطق سيطرة النظام. أي أن تلك المناطق بحاجة إلى 7.5 مليون برميل نفط شهرياً. بينما الإنتاج المحلي اليومي نحو 18 ألف برميل فقط، أي 540 ألف برميل شهرياً. 

وبالانتقال إلى "شرق الفرات"، تشير مصادر "قسد" الرسمية إلى إنتاج نفطي يومي بنحو 150 ألف برميل، تكفي بالكاد احتياجات سكان المنطقة التي تعاني من أزمات خانقة في توزيع الغاز المنزلي والمازوت والبنزين. 

بطبيعة الحال، هناك إشارات استفهام عديدة حول الأرقام "الرسمية" لدى كلٍ من "قسد" والنظام. فـ "قسد" تتحدث عن حاجة محلية تبلغ 150 ألف برميل نفط يومياً، لعدد سكان يبلغ نحو 3 ملايين نسمة. فيما يتحدث النظام عن حاجة محلية تبلغ 250 ألف برميل نفط يومياً، لعدد سكان يبلغ نحو 22 مليون نسمة. وهي مفارقة كبيرة، يصعب تقبّلها. إلى جانب إقرار مسؤولي "قسد"، بتصدير جانب من إنتاج "شرق الفرات" إلى النظام، وبأسعار رمزية مقارنة بالسعر العالمي، حسب وصفهم. ناهيك عن المعطيات التي تؤكد تصدير جانب من إنتاج المنطقة النفطي إلى إقليم "كردستان العراق" المجاور. مما يعني أن تصدير النفط والإيرادات الناجمة عنه، والتي تموّل نحو 75% من ميزانية "قسد"، هو على حساب حاجة السكان المحلية. أما على ضفة النظام، فهو يتحدث عن استيراد 5 ملايين برميل نفط شهرياً، والإنتاج المحلي نحو 540 ألف برميل، والحاجة الكلية نحو 7.5 مليون برميل. أي أن النظام عاجز عن تغطية الحاجة الكلية (إن احتسبنا النفط المستورد) بنسبة 27%. فيما الواقع على الأرض يعكس نسبة عجز أكبر بكثير. ويكفي الاستدلال على ذلك، بعدد ساعات التقنين الكهربائي التي تصل إلى أكثر من ثلثَي اليوم، في أكثر المناطق حُظوةً، فيما تقارب الـ 23 ساعة، في باقي المناطق الأخرى.

لكن إن ابتعدنا قليلاً عن "الأرقام الرسمية"، قد نجد تفسيراً للمفارقة أعلاه، في تعداد سكان مناطق سيطرة النظام، وفق مصادر معارضة، والتي تذهب إلى تقدير أنهم لا يتجاوزون الـ 10 ملايين نسمة، وأن النظام يتعمّد المبالغة في تعداد السكان الخاضعين لسيطرته، لغايات سياسية. وبالاستناد إلى هذا التقدير، يمكن الاستنتاج أن "قسد" تصدّر نصف إنتاج منطقة "شرق الفرات"، أي 75 ألف برميل نفط يومياً، لصالح "خزينتها". وتخصص الباقي للاستهلاك المحلي، الذي بالكاد يغطي حاجة السكان. 

هدفنا من العرض في الفقرتين الأخيرتين، توضيح مدى تلاعب المصادر الرسمية بالأرقام، وعدم القدرة على اعتمادها. لكن حتى لو أردنا اعتماد تلك الأرقام، فإن مجمل الإنتاج الحالي للنفط في عموم سوريا، لا يتجاوز الـ 170 ألف برميل يومياً، في أحسن الأحوال. فيما حاجة الاستهلاك المحلي، نحو 325 ألف برميل يومياً، في مناطق النظام و"شرق الفرات"، معاً. أي أنه في حال استعاد النظام "شرق الفرات"، فإنه سيواجه عجزاً نفطياً يومياً، يتجاوز الـ 150 ألف برميل. أي أن النظام سيكون مضطراً لاستيراد نحو 4.5 مليون برميل نفط شهرياً، لتغطية هذا العجز. وهو رقم أقل بقليل من الـ 5 ملايين برميل التي يستوردها الآن. أي أن هناك تحسناً بنسبة 10% فقط، على صعيد توفر الوقود والكهرباء، سيتحقق، لو عاد "شرق الفرات" لقبضة النظام، وذلك وفق الأرقام الرسمية لكلٍ من النظام و"قسد".

أي أنه، لو افترضنا وانسحبت القوات الأمريكية غداً من "شرق الفرات"، وانهارت الإدارة الذاتية الكردية، واستعاد النظام السيطرة على كامل المنطقة بثرواتها النفطية الغنية، وبعد أن تنتهي الاحتفالات، والطبل والزمر والتمجيد لحياة القائد المقدام، الذي طرد الأمريكيين بالاعتماد على تحرشات الإيرانيين بهم، حينها، سيفيق السوريون، في اليوم التالي، على أزمات الوقود وانقطاع الكهرباء ذاتها، مع تحسّن طفيف لن يشعروا به أساساً. وحالما تبدأ الأصوات بالارتفاع متسائلةً: ألم تنتهي "الحرب"؟، سيكون جواب النظام جاهزاً: إنها مؤامرة الحصار والعقوبات التي تعيق جلب الاستثمارات لإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة للقطاع النفطي السوري.


المصدر: المدن