رأي

الاستثمار في الشمال السوري..كمصلحة تركية

الأحد, 14 يناير - 2024

إياد الجعفري


قد يرى الكثيرون في مؤتمر الاستثمار الأول المزمع عقده في الشمال السوري الخاضع للنفوذ التركي، مجرد أداة للاستثمار السياسي الداخلي، قبيل الانتخابات البلدية التركية في آذار/مارس المقبل. وفي أحسن الأحوال، قد يكون وسيلة محدودة الأثر لتحسين عوامل استقرار بيئة العمل، في شمالي حلب، حيث يقطن أكثر من مليون سوريّ، وذلك للحد من دوافع الهجرة غير الشرعية إلى الأراضي التركية. أما الرهان على جذب مستثمرين بصورة يمكن أن تحقق قفزة استثمارية نوعية في منطقة تسودها فوضى فصائلية، واختراقات أمنية، واستهدافات عسكرية، يبدو للوهلة الأولى، وفق المعايير المتعارف عليها لجذب الاستثمارات، ضرباً من الخيال.

لكن في مقابل ما سبق، يمكن قراءة عدد من الطروحات التي تقدّم رؤى قابلة للتنفيذ، لجعل شمالي حلب، منطقة صناعية بمواصفات خاصة. والمؤتمر الذي سيُعقد يومي 17 و18 كانون الثاني/يناير الجاري، تتضمن فعالياته، مناقشة أوراق بحثية، بهذا الخصوص.

من حيث التوقيت، يخدم مؤتمر الاستثمار هذا، دعاية الحكومة التركية بخصوص جهودها في خلق بيئة تنموية مستدامة في شمال سوريا، وذلك في سياق الصراع مع المعارضة التركية على مقاعد بلديات، أبرزها، إسطنبول، في وقت يتصاعد فيه معدل استثمار ملف اللاجئين السوريين في معركة كسب أصوات الشارع التركي.

أما من حيث المكان، فيُدلِّ عقد المؤتمر في المدينة الصناعية في الراعي، في ريف حلب، على رغبة منظّمي المؤتمر في جذب أنظار المهتمين إلى تجربة المناطق الصناعية الخمس، التي أنشأتها تركيا، في المنطقة. وهي تجربة لم تُكلل بالنجاحات المأمولة، للأسباب المرتبطة بالبيئة الأمنية والسياسية غير المستقرة.

أما من حيث المنظّمين، فيؤشّر دور الحكومة السورية المؤقتة، الممثلة للائتلاف المعارض، المدعوم من أنقرة، إلى الدور التركي. كما وتؤشر مشاركة مؤسسة "2020 IDEA"، إلى دعم أوروبي نسبي، لمشاريع من هذا النوع، يمكن لها أن تعزّز فرص استقرار السوريين في أراضيهم، للحد من الهجرة إلى أراضي الاتحاد الأوروبي.

ورغم أن المصلحة التركية والأوروبية، جليّة ومباشرة، في نجاح مشاريع كهذه، في شمال غرب سوريا، إلا أن حجم الدعم المقدّم لها، لا يرقى إلى المطلوب، لتحقيق اختراق نوعي باتجاه الهدف المرجو. وفي هذا الحيز، لا يمكن لنا إلا أن نتفق مع ما كتبه رئيس "تيار المستقبل السوري"، زاهر بعدراني، تعليقاً على دعوته لحضور المؤتمر، مشيراً إلى عدم وجود تجارب نجاح استثماري واقتصادي لبلدان في ظروف الحرب، ربما باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية، "والتي تمكنت من حل مشكلة الكساد الكبير خلال فترة الحرب العالمية الثانية..". مع التنويه إلى أن الحالة في شمالي حلب، تختلف جذرياً. إذ تُدار المنطقة، نظرياً، من حكومة لا تحظى باعتراف دولي، يتيح نشاط المصارف وشركات التأمين الدولية. كما أن نفوذ هذه الحكومة على أرض الواقع، محدود للغاية، إذ أن الفاعل الحقيقي هي الفصائل المتناحرة داخل "الجيش الوطني"، والتي حوّلت المنطقة إلى "إقطاعات"، تفصلها حواجز، تسودها الإتاوات. ناهيك عن استهدافات الروس والإيرانيين ونظام الأسد، و"قوات سورية الديمقراطية".  

ورغم كل ما سبق، يبقى من المتاح اجتراح حلول خلّاقة، تتطلب حداً من الحماية والرعاية، لكنها لا ترقى إلى درجة "الرعاية الدولية" المتعذرة في المدى المنظور. وفي هذا السياق، نحيل إلى دراسة نشرها موقع "اقتصاد، مال وأعمال السوريين"، قبل نحو ثلاث سنوات، من إعداد الباحث، مأمون سيد عيسى، والذي كان يشغل حينها موقع نائب رئيس ما عُرف بـ "الهيئة السياسية" في محافظة إدلب. وتقدّم الدراسة رؤية لتأسيس حالة تنموية قابلة للتنفيذ في شمال غربي سوريا (شمالي حلب وإدلب)، في مرحلة ما قبل الحل السياسي النهائي في سوريا.

ومن أبرز الأفكار التي تضمنتها الدراسة، تأسيس منطقة حرة، خدمية – صناعية، ضمن المعابر الحدودية مع تركيا. وتقدّم الدراسة تصوّراً لتأمين المنطقة، يراعي الظروف الراهنة. إذ أن وقوع المنطقة في حرم أحد المعابر الحدودية مع تركيا، سيحميها من الاستهداف الروسي أو "الأسدي". على أن يتم عزلها عن جوارها إدارياً وجغرافياً، وحصر الدخول إليها بمن يحمل أذونات خاصة للعمل، أو للمستثمرين والصناعيين، للحد من احتمالات تعرضها لاستهدافات أمنية (تفجيرات). وتطرح الدراسة تصوراً للبدء بإنشاء المنطقة في أحد معابر ريف حلب الشمالي مع تركيا، قبل توسيعها إلى إدلب (باب الهوى)، في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك. 

وتلفت الدراسة إلى أنه من الممكن إنشاء صناعات عديدة لصالح مستثمرين أتراك، إذ يمكن التعويل على رخص اليد العاملة في شمال سوريا، بوصفه جاذباً للاستثمار الخارجي. كما ويمكن أن تخدم الموانئ التركية القريبة من الحدود، عملية تصدير المنتجات المصنعة. وعلى صعيد التمويل، يمكن الرهان على الاتحاد الأوروبي. 

الفارق الجوهري بين الواقع الراهن، -حيث توجد مناطق صناعية تحظى برعاية تركية، لكنها لا ترقى إلى درجة المظلة الأمنية الكاملة-، وبين ما تطرحه الدراسة أعلاه، هو التعامل مع معضلة الأمن، بجدّية أكبر، وبانخراط أكثر نوعية من جانب الأتراك، وبتمويل من الأوروبيين، بصورة تسمح بطمأنة رأس المال، بأن الاستثمار في المنطقة سيكون في مأمن من الاستهداف العسكري الخارجي أو الأمني الداخلي، وفي معزل كذلك عن تدخّل الفصائل وصراعاتها. وهو طرح قابل للتنفيذ، إذ تتوافر الدوافع والإمكانات لتحقيقه، وسيمثّل، لو تم، طفرة نوعية للاستثمار في شمالي حلب، قد يمتد إلى إدلب، ليوفّر بيئة عمل جاذبة لديمغرافيا سكانية تتجاوز الـ 4 ملايين نسمة.


المصدر: المدن