رأي

واشنطن و"تحرير الشام".. سيناريو تعاون ما يزال مطروحاً

تواجه صيغة الجهاد العابر للحدود أزمة في أوساط الجهاديين
تواجه صيغة الجهاد العابر للحدود أزمة في أوساط الجهاديين

الطريق-إياد الجعفري

 

كانت إطلالة أيمن الظواهري، زعيم تنظيم "القاعدة"، في الذكرى العشرين لأحداث 11 أيلول/سبتمبر، قبل أيام، باهتة وتعكس حضوراً بائساً، يؤشر لحالة تراجع التنظيم، وفق تصريحات لخبراء في شؤون الحركات الإسلامية، نشرتها وسائل إعلام، في اليومين الماضيين.

ورغم أنَّ هدف التسجيل الذي بثته "القاعدة" لزعيمها، هو تأكيد عدم وفاته، بعد الشائعات التي راجت بهذا الخصوص، إلا أنَّ ظهور الظواهري عكس حالة التدهور الصحي التي تلم به، وفتحت الباب أمام المتخصصين للتساؤل حول مصير التنظيم في ضوء أزمة خلافة مرتقبة في قمَّة قيادته. وذهبت شريحة من المراقبين إلى أنَّ الظواهري ميت بالفعل، وتحاول قيادة التنظيم إخفاء ذلك، خشية تعرض التنظيم للتفكك والانشقاقات.

تلك المعادلة الجديدة، التي فرضت نفسها في أوساط "الجهاد السُّني" في منطقتنا، وتتمثل في تراجع تأثير تنظيم "القاعدة"، لصالح طرفين آخرين، هما تنظيم "الدولة الإسلامية – داعش"، والتنظيمات الجهادية المحلية، تدفع إلى نتائج مرتقبة قد تؤدي إلى تغيرات نوعية على صعيد العلاقة بين حركات جهادية محلية، وبين قوى إقليمية ودولية، على غرار ما حدث بين طالبان، وكل من باكستان والولايات المتحدة الأمريكية، في أفغانستان.

ووفق المتخصصين في الحركات الجهادية، تواجه صيغة "الجهاد العابر للحدود"، أزمة جليّة في أوساط "الجهاديين"، لصالح الجماعات الجهادية المحلية، التي لا تستهدف الغرب أو أطرافاً خارجية.

ومنذ انضمام هيئة "تحرير الشام"، قبل سنوات، إلى توصيف "الجهاد المحلي"، بعد أن فكت ارتباطها بـ "القاعدة"، وقياداتها تؤكد في كلِّ مناسبة مُتاحة، أنها ليست بصدد استهداف الغرب أو أي طرف خارجي. وأنها تستهدف فقط النظام السوري وداعميه، داخل الأراضي السورية.

ورغم أنَّ شريحة واسعة من المتخصصين في دراسات الحركات الجهادية، يرفضون المقارنة بين "طالبان" وبين "تحرير الشام"، لأسباب عدة، من أبرزها؛ أنَّ "طالبان" تمكنت من فرض نفسها، بالقوة، في الساحة الأفغانية، فيما تبدو "تحرير الشام" محاصرة ومأزومة، وخاضعة لتفاهمات إقليمية، إلا أنَّ أسباب رفض المقارنة بين الحركتين، يرجع تحديداً إلى أنَّ عملية المقارنة تتم بين "طالبان" اليوم، بعد صعودها القوي بالسنوات الأخيرة، وبين "تحرير الشام"، اليوم، التي تبدو محاصرة وعاجزة عن المبادرة. أمَّا لو تمت المقارنة، بالعودة إلى صورة "طالبان" في لحظات انتكاسها، بعد العام 2001، إثر الغزو الأمريكي لأفغانستان، ولجوئها إلى الجبال، وخروجها تقريباً من المشهد الأفغاني، لسنوات، قبل أن تشق طريقها للصعود مجدداً، فستصبح المقارنة أكثر واقعية.

ناهيك، عن معادلتين مرجحتين بشكل كبير، قد تغيران العلاقات بين الوسط "الجهادي السُّني" بالمنطقة العربية، وبين قوى إقليمية ودولية. الأولى؛ أنَّ معظم الخبراء في الحركات الجهادية يتوقعون صراع إلغاء، سيشتد بين الحركات الجهادية المحلية، وبين تنظيم "الدولة الإسلامية – داعش"، في الفترة المقبلة. وفي هذا الصراع ستجد القوى الإقليمية، وكذلك الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، مصلحة أمنية كبيرة لها، في دعم الحركات الجهادية المحلية، وهو ما يفسر أحد أسباب قبول واشنطن بتجرع المُرّ في تفاهمات مع "طالبان" وُثّقت باتفاق الدوحة، في شباط/فبراير 2020.

 

هذه التجربة الأمريكية مع "طالبان"، من الممكن إسقاطها على العلاقة بين واشنطن وهيئة "تحرير الشام"، في المستقبل القريب، على الرغم من أنَّ كثيراً من المراقبين يرفضون فكرة أن تقبل واشنطن صيغة من التفاهم والدعم لـ "تحرير الشام"، ذلك أنَّ بعض أبرز مسؤولي الإدارة الأمريكية، يصرّون على اعتبار الهيئة تنظيماً "قاعدياً"، رغم تغيير المسمَّى وإعلان فك التبعية منذ سنوات. لكن، مسألة عدم وجود تهديد حقيقي لمصالح الأمريكيين من جانب "تحرير الشام" ــ مع احتياج واشنطن لهذا النوع من التعاون في مواجهة الجهاديين "العابرين للحدود" سواء المحسوبين على "داعش" أو المحسوبين على بقايا "القاعدة" في سوريا ــ تجعل فكرة حصول تفاهمات أمريكية مع الهيئة، أمراً وارداً بشدة. وهي غاية تسعى الهيئة بجدٍّ كبيرٍ لتحقيقها، منذ نهاية العام المنصرم، عبر تغيير الخطاب، وتقديم صورة مختلفة عن الهيئة بوصفها "حركة تحرر" وليست "حركة جهادية"، وذلك عبر وسائل إعلام غربية.

 

أمَّا المعادلة الثانية، التي قد تشكل تغيراً نوعياً، فهي تكرار ما حدث بين باكستان و"طالبان"، في الحالة السورية. وهو أمر أشار إليه القيادي العراقي في هيئة "تحرير الشام"، أبو ماريا القحطاني، الذي اعتبر سيطرة طالبان على أفغانستان، في الشهر الفائت، فرصة تاريخية "للمحور التركي المسلم مع باكستان، (ليكون) محوراً جديداً يعيد رسم خارطة النظام الدولي الجديد".

وبعيداً عن السقف المرتفع الذي طرحه القحطاني لقدرات تركيا وباكستان، فإنَّ الأخيرة نجحت في إقناع واشنطن بقبول التفاهم مع طالبان، بعدما عززت إسلام أباد، دعمها للحركة بصورة عجَّلت من سيطرتها على كامل أفغانستان.

وفيما لا يوجد حتى الآن ما يؤشر إلى أنَّ تركيا تعتمد استراتيجية مشابهة، في العلاقة مع "تحرير الشام"، تفتح تجربة التعاون البراغماتي، بين الطرفين، في تنفيذ تفاهمات أستانة وسوتشي التي اضطرت أنقرة لعقدها مع الروس، باباً لتعاون أكبر. خاصة وسط ما يُعتقد أنه دعم تركي للمقاومين في جنوب إدلب (جبل الزاوية)، ضدَّ تقدم قوات النظام المدعومة روسياً.

فأنقرة تملك مصلحة جليّة في دعم الحركة الجهادية، التي أظهرت قيادتها درجة ملحوظة من البراغماتية، في مواجهة خصوم تركيا في سوريا. وهي مصلحة قد تتجدد لدى واشنطن، ذاتها. حتى لو لم تكن في اللحظة الراهنة، سيناريو مطروح على الأجندة الأمريكية.

بطبيعة الحال، فإنَّ التغيرات التي تحدثنا عنها، في العلاقة بين الحركات الجهادية المحلية وبين القوى الإقليمية والدولية، تبقى رهناً بمجموعة شروط، من أبرزها في الحالة السورية؛ فشل مساعي واشنطن للوصول إلى حلولٍ وسط مع الروس والإيرانيين، في سوريا. وهي مساعٍ ستركز عليها الإدارة الأمريكية في الفترة المقبلة، لكنَّ التعنّت "الأسدي" – الإيراني، قد يتسبب في إخفاقها، وسط عجز موسكو عن فرض إرادتها على الأسد بدمشق، الأمر الذي قد يدفع واشنطن في نهاية المطاف، إلى استخدام ورقة "الجهاديين المحليين" في سوريا.