رأي

"أبو سليم دعبول".. "دير عطية" مقابل "سوريا"

ساهم دعبول في تعزيز الحس المناطقي
ساهم دعبول في تعزيز الحس المناطقي

الطريق- إياد الجعفري


كان لافتاً خلال الجدل الذي ظهر على بعض الصفحات الإعلامية المعارضة في وسائل التواصل الاجتماعي، بعيد الإعلان عن وفاة، محمد ديب دعبول، "أبو سليم"، مدير مكتب رأس النظام، أن يندفع بعض السوريين للدفاع عن الرجل، والترحم عليه، ليس لكونه أحد رموز بيروقراطية النظام الضاربة، بل من أجل الخدمات التي قدمها لبلدته "دير عطية"، بصورة جعلتها تحفة معمارية، نادرة، في بلدٍ كسوريا. ولتجنيبه إياها ويلات الصراع السوري خلال العقد المنصرم، لتخرج منه بأقل التكاليف، مقارنة بجيرانها، حتى في منطقة القلمون. وذلك حسب وصف المدافعين عنه.

النقاش الذي كان يمكن رصده في التعليقات تحت خبر وفاة "أبو سليم"، في بعض صفحات وسائل الإعلام المعارضة، أخذ منحىً مناطقياً جلياً. إذ تحدث معلقون عن أن الرجل حصر خدماته ببلدته، دير عطية، ولم يتعداها حتى إلى البلدات المجاورة في القلمون، كالنبك، وسواها. ناهيك عن أن المهاجمين له، ذكّروا بأن "أبو سليم"، لم يكن يخدم بلدته من "حر ماله"، وأنه كان يجبر مغتربي البلدة على تمويل إعمارها وتجميلها. بل وكان يتكسب من وراء ذلك. لكن هذه الاتهامات، لم تمنع سيلاً من التعليقات المدافعة عن الرجل، من زاوية أنه لو انتهج كل مسؤول، نهجه، وعمل على خدمة بلدته، ودعم أهلها، لكانت سوريا بـ "ألف خير". 

سيل التعليقات المدافعة، بل والمُجلّة، لـ "محمد ديب دعبول"، لم تكن قليلة. وكما أوضحنا آنفاً، لم يكن المدافعون يظهرون "نفَسَاً" موالياً للنظام، بقدر ما كانوا يظهرون تأييداً لنهج دعبول، الذي "خدم بلدته"، حتى لو كان ذلك باستخدام سبلٍ ملتوية، أو عبر استغلال السلطة الممنوحة له. أو حتى لو كان ذلك على حساب بلدات سورية أخرى. 

يظهر ذلك الجدل -إلى جانب ما كان يدور على مدار عقود من نقاش في أوساط السوريين، حينما يأتي ذكر "أبو سليم دعبول"، من تأييد الكثيرين لنهجه- ذلك الحس المناطقي، الذي يتناقض مع الحس الوطني، والذي يميز غالبية كبيرة من السوريين. وهو ما تجلى في المحسوبية المناطقية التي كادت تجعل مؤسسات بعينها، محسوبة على أبناء بلدات محددة. تلك المناطقية، التي حكمت جانباً مهماً من منطق عمل "أبو سليم دعبول"، لم تكن مدانة لدى كثير من السوريين، رغم ضررها الكبير على سوريا، كدولة. فـ "دعبول" وضع "دير عطية"، مقابل "سوريا". وهو منطق، يؤيده فيه شريحة من السوريين. الأمر الذي يظهر عرَضَاً مرَضياً يُعتبر من أبرز مشكلات العلاقة بين السوريين. وهو عَرَضٌ لا يتحمّل النظام الأسدي، مسؤوليته الأساسية، وإن كان ساهم في تعزيزه واستغلاله.

وبخلاف كثيرٍ من المسؤولين، تميّز "أبو سليم دعبول"، بدورٍ كبيرٍ في دعم بلدته بصورة مكشوفة وعلنية، جعلت تلك السّمة متداولة عنه على ألسنة السوريين؛ وبذلك ساهم الرجل في تعزيز الحسّ المناطقي. لكن، تلك ليست المثلبة الوحيدة لهذه الشخصية التي عملت لعقود، من وراء الكواليس. فالرجل، يمثّل النسخة البدائية الأصلية للبيروقراطية، والتي تعني لغوياً –حسب الاشتقاق اللغوي لها بالألمانية والإغريقية- "قوة المكتب" أو "سلطة المكتب". 

وإن كانت البيروقراطية، كمفهوم، تطورت إلى استخدامات أخرى، أكثر تعقيداً. فإن "أبو سليم دعبول"، مارسها وساهم في ترسيخها في سوريا، وفق نسختها البدائية، كما أشرنا. فكان الرجل قادراً على التأثير على حركة الكثير من مؤسسات الدولة السورية، من وراء مكتبه، بالقصر الجمهوري. الأمر الذي يفسّر لماذا ائتمنه حافظ الأسد، على إدارة واحدة من أكثر مفاصل الحكم حساسية، وهي الصلة بين رئاسة الجمهورية وباقي المؤسسات. 

ولا يعتبر "أبو سليم دعبول"، شخصية فريدة، على هذا الصعيد. إذ من المعروف في أدبيات علم السياسة، أن الأنظمة السلطوية تستخدم البيروقراطية كوسيلة من وسائل ترويض المجتمع وضبطه، والتحكم به، سياسياً، واقتصادياً. وهو ما فعله حافظ الأسد، عبر "أبو سليم دعبول"، إذ تضخم الجهاز البيروقراطي – الإداري، في عهده إلى أقصاه، في التاريخ السوري. في الوقت نفسه، الذي طبق فيه معادلته الشهيرة، التي تحدث عنها المفكر السوري الراحل، الطيب تيزيني، "الفساد والإفساد". فاستشرى الفساد داخل هذا الجهاز البيروقراطي، بصورة كبيرة. ومن المعروف أيضاً، وفق أدبيات علم السياسة، أنه حينما يستشري الفساد داخل جهاز بيروقراطي، ويترسخ، فإنه يعمل على حماية نفسه عبر إبقاء الهياكل التي أنتجها، على حالها. وبذلك عمل حافظ الأسد، عبر "أبو سليم دعبول"، وسواه، من رجال البيروقراطية السورية، على خلق مراكز نفوذ، غير مستعدة أبداً لأن يتهدد النظام الذي تعمل لصالحه، لأنها فاسدة، ومصالحها الشخصية ترتبط ببقاء النظام، واستمراريته. وهذا ما يفسر أيضاً، دعم "أبو سليم دعبول"، وغيره، من كبار رجالات البيروقراطية في "الدولة السورية"، لرأس النظام، بشار الأسد، خلال أحداث الثورة بعد العام 2011. 

وبذلك كان "أبو سليم دعبول"، أحد أبرز المؤثرين في تعزيز المناطقية، والبيروقراطية الفاسدة، في تاريخ سوريا، لأكثر من نصف قرن. لذلك، استحق، الرجل، دون شك، وسام الاستحقاق "الأسدي" من الدرجة الممتازة. إذ لم يكن "أبو سليم" رجلاً عادياً. وما قدمه من خدمات لهذا النظام، ربما تتجاوز ما قدمه عُتاة العسكريين والأمنيين، بهدف ترسيخ استمرارية النظام، وطغيانه على حساب غالبية السوريين.