رأي

خواتيم أزمة درعا البلد.. معيار جديد للعلاقة الإيرانية– الروسية في سوريا

طهران ستعمل على تعطيل أي تحرك عربي في سوريا
طهران ستعمل على تعطيل أي تحرك عربي في سوريا

الطريق- إياد الجعفري


قد تكون مفارقة غير مقصودة، أن يأتي انقلاب النظام بدعم إيراني، على اتفاق درعا البلد، بعد يومين فقط من مقابلة العاهل الأردني، عبد الله الثاني، مع قناة سي إن إن الأمريكية، التي روّج فيها للتطبيع مع نظام الأسد، والرهان على الروسيّ في سوريا. لكن ذلك الانقلاب من المفترض أن يحمل رسالة تستحق القراءة في العاصمة الأردنية، التي يتعجّل فيها صنّاع القرار، طي صفحة القطيعة مع النظام، متناسين أنه بات مُستلباً كُليَّاً من الإيراني، في وقتٍ يبدو فيه النفوذ الروسي في هذا البلد عاجزاً عن لجم نظيره الإيراني، في أسوأ الأحوال، أو غير راغب في ذلك، في أفضلها.

وما يدعم هذه القراءة أن وجهة النظر الإيرانية حيال ترتيب البيت الداخلي السوري، تتفق مع وجهة نظر النظام، وتتسيّد المشهد في درعا، على حساب وجهة النظر الروسية، المعلنة، على الأقل. والتي تبدو في الميدان، مُغيّبة أو عاجزة، أو ربما، متواطئة مع وجهة نظر شريكَيها.

بهذا الصدد، قد يكون من المفيد مراجعة ورقة بحثية ترجمها موقع "تلفزيون سوريا"، وصدرت عن المجلس الروسي للشؤون الدولية، بالشراكة مع معهد الدراسات الإيرانية – اليوروآسيوية. ونشر الموقع ترجمة الورقة في ثلاثة أجزاء، في كانون الأول/ديسمبر 2020.

استعرضت الورقة البحثية وجهة نظر خبراء البلدين (روسيا وإيران) في الملف السوري، وتناولت نقاط الخلاف والاتفاق بينهما. حيث أقرّ الخبراء الروس والإيرانيون أن العلاقة بين بلديهما لم ترقَ إلى درجة الشراكة الاستراتيجية الحقيقية، لكنها تمتعت بمرونة كبيرة سمحت لها بتجنب أية أزمة كبرى قد تعتري هذه العلاقة، رغم تناقض بعضٍ من أهداف ورؤى الطرفين في المشهد السوري. 

فما هي أبرز نقاط التباعد بين النهجين الإيراني والروسي في سوريا؟

من أبرز الأجوبة التي تستحق الوقوف عندها ملياً، والتي قدمها خبراء البلدين في الملف السوري، هو أن الجانب الإيراني يعتبر التحرك العربي تجاه سوريا تهديداً لإيران، فيما تراهن موسكو عليه.

هذا التناقض النوعي، يدفعنا لاستخلاص نتيجة مفادها، أن طهران ستعمل على تعطيل أي تحرك عربي يمكن أن يثمر نفوذاً ما داخل سوريا. 

في الوقت نفسه، ترى إيران أن سوريا بأكملها يجب أن تخضع للحكومة المركزية، التي تمثّل رأس النظام بدمشق. والذي يقرّ الخبراء الإيرانيون أنه لا توجد شخصية تحظى بثقة الإيرانيين في تركيبة النظام، مثله. وهنا، يمكن أن تستوقفنا هذه القراءة لنرى مدى التقارب بين رؤى رأس النظام، بشار الأسد، ومصالحه، وبين رؤى ومصالح إيران. حيث ذهب الخبراء الإيرانيون في الورقة البحثية المشار إليها، إلى أن رؤية طهران تقوم على توسع سيطرة الحكومة المركزية (الخاضعة للأسد) لتشمل كامل التراب السوري. وهذا ما نرى ترجمته الميدانية اليوم، في درعا البلد. واللافت أن الرؤية الإيرانية تلك، تمثّل توجهاً رئيسياً لدى بشار الأسد. 

هذا التطابق في جوانب عديدة بين رؤى الأسد، وحليفه الإيراني، لا نجده قائماً في رؤى الروس المنشورة قبل سبعة أشهر فقط، والذين أكد خبراؤهم في الورقة البحثية ذاتها، أنهم مستاؤون من عدم التقدم في عملية المصالحة بجنوب سوريا. الأمر الذي يدفع للتساؤل، عن سرّ غياب الضمانة الروسية عن المشهد الدرعاوي، لصالح إيران، ونظام الأسد، اليوم. وهو ما يمكن تفسيره في إحدى ثلاثة سيناريوهات مستقبلية منتظرة في تطورات المشهد بدرعا البلد:

السيناريو الأول: إن آلت الأمور لخواتيم تمثّل إرادة النظام وشريكه الإيراني، فحينها يمكن أن نقول بشكل لا يقبل الكثير من التأويل، إنَّ روسيا أضعف من الإيرانيين، في المشهد الدرعاوي. وهو تحوّل سيقلب الكثير من الحسابات المحلية، وكذلك الإقليمية. ويجب أن يدفع باتجاه إعادة النظر في مقولة الرهان على الروسي لِلجم الإيراني في سوريا.

السيناريو الثاني: إن آلت الأمور لحلول وسط، لكنها تزيد من سيطرة النظام بالجنوب السوري، فهذا يعني أن روسيا تقترب أكثر للقراءة الإيرانية و"الأسدية"، لكيفية ترتيب البيت الداخلي السوري. وهذا السيناريو يتطلب أيضاً، إعادة النظر في مقولة الرهان على التناقضات الروسية – الإيرانية في سوريا. ومن ذلك، دعم الروس لفكرة اللامركزية، مقابل دعم الإيرانيين لسيطرة الحكومة المركزية بدمشق.

أمَّا السيناريو الثالث، فهو: أن تتحرك روسيا للضغط على النظام والإيرانيين، بغية إيجاد حلول، تحفظ المسافة الفارقة بين روسيا وإيران، في نظر سكان المنطقة، بحيث تبقى روسيا في نظرهم الضامن الذي يمكن الرهان عليه، ولو نسبياً. في هذه الحالة، سيكون الغياب الروسي الراهن عن المشهد الدرعاوي، والميل الحالي لموقف النظام والإيرانيين، مجرد تكتيك روسي مؤقت يستهدف إبراز حجم نفوذ موسكو على حليفها "الأسد"، وشريكته –إيران-. وسيكون هدف موسكو من ذلك، تعزيز فرضية الرهان عليها بسوريا، في نظر الغرب وحلفائه الإقليميين، ومنهم، الأردن ودول الخليج. 

وفيما توحي القراءات الأولية للتطورات في درعا البلد، بأن السيناريو الثاني تحديداً، هو الأرجح. ربما يتطلب الأمر شيئاً من الانتظار، والوقوف لاحقاً على خواتيم أزمة درعا البلد، لإعادة تقييم مدى متانة الرهان على فروقٍ استراتيجية بين موسكو وطهران في سوريا. إعادة التقييم تلك، تتطلب مراجعة لدى دوائر صنع القرار بالمنطقة، وفي الغرب. فالرهان المتعجل على موسكو، قد يكون سبباً لتعزيز النفوذ الإيراني بسوريا، وبالتالي، دعم الطموحات الإيرانية في المنطقة برمتها، وما يعنيه ذلك من منعكسات سلبية على الأردن، وعلى دول الخليج من ورائه.