رأي

بعيداً عن المنجمين.. كيف يمكن أن يتنبأ علم السياسة بسوريا 2022؟

الطريق- إياد الجعفري


يمكن لتوقعات المنجّمين، التي بدت كالعادة أقرب إلى التمنيات المتوافقة مع انحيازاتهم السياسية، أن تكون رغائبية. ومن هذا المنطلق، يمكن لمنجّم كـ "ميشال حايك" أن يلمّح إلى تراجع النفوذ الإيراني بسوريا خلال العام الجديد. فيما يمكن لـ مايك فغالي أن يراهن مجدداً، على تحسن لليرة السورية، التي سبق أن أحرجته مراراً، دون أن يتعظ. كما ويمكن لـ ليلى عبد اللطيف أن تذهب بعيداً إلى حد الحديث عن استعادة كامل الأراضي السورية، لصالح نظام الأسد. ولن يحرج هؤلاء، فشل توقعاتهم، المتكرر، على مدار السنوات السابقة، ما دامت ذاكرة المتابعين قصيرة، وانتعاش حس الإثارة لديهم حين التفاعل مع فعل التنبؤ بالمستقبل، يُعطي أُكله في إدرار الجدوى الاقتصادية المأمولة لظهور هؤلاء المنجمين على شاشات القنوات الفضائية.

وفيما تصبغ الرغائبية والانحياز السياسي تنبؤات المنجمين، يتحتم على العاملين في حقل علم السياسة بناء نبوءاتهم للمستقبل وفق المناهج المعروفة، والتي تستند إلى خلفيات كل ظاهرة وتطورها، لا على تمنياتهم لمآلات محددة لها.

ويُعد التنبؤ بالمستقبل، من صلب اختصاص علم السياسة. لكن التنبؤ هنا، يكون منفصلاً تماماً عن تحيّزات مُطلقه "المتخصص في هذا العلم"، وفي معظم الأحيان، يكون ذلك التنبؤ محبطاً له؛ نظراً لأنه يخضع لشروط المنهجية العلمية، وأبرزها؛ دراسة حالة الظاهرة التي يتم التنبؤ بمستقبلها. إذ يؤدي ثبات المتغيرات المؤثرة في ظاهرة ما، إلى استمرار تطور الظاهرة في الاتجاه نفسه.

وفي الحالة السورية، من المرجح ثبات معظم الشروط والمتغيرات المؤثرة بالمشهد السوري. لذا لا نستطيع توقع الكثير من المفاجآت في قادم الأيام، بل على العكس، المرجح أن العام 2022، سيكون استمراراً لما كان في العام 2021، في معظم الملفات السورية.

فأمريكا لن تغادر الأراضي السورية، بشكل كامل، على الأغلب، لأن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن لن تخاطر بتحمل مظهر هزيمة استراتيجية جديدة، على بعد أشهرٍ من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، في تشرين الثاني/نوفمبر القادم، التي يراهن الجمهوريون فيها على مكاسب كبيرة على حساب الديمقراطيين. وبناء على ذلك، يبدو الرهان على تخلي الأمريكيين المفاجئ أو السريع عن "حليفهم الكردي"، في "شرق الفرات"، مبالغاً فيه، على الأقل، حتى نهاية العام الجديد.

كذلك، من السذاجة الحديث عن سوريا "بلا إيرانيين". فما وُصف بـ "هجوم اقتصادي" إيراني، على نظام الأسد، أدى إلى توقيع وترتيب العديد من الصفقات التي تضمن النفوذ الإيراني بسوريا، عقب الانفتاح الجزئي لبعض الدول العربية على النظام السوري، يؤكد أن إيران ليست في وارد التخلي عن موطئ قدمها الذي دفعت من أجله، الغالي من مواردها، خلال أكثر من 8 سنوات من تدخلها المباشر على الأراضي السورية.

ناهيك عن أن كل السيناريوهات المحتملة، المرتبطة بآفاق إعادة إحياء الاتفاق النووي الإيراني، لن تغيّر كثيراً من طبيعة التفاعل الإيراني – الأمريكي – الإسرائيلي، مع الملف السوري. فبالنسبة لإيران وإسرائيل، سوريا ساحة استراتيجية، لا يمكن لأي طرفٍ منهما، التخلي عن الإطلالة على الآخر، من خلالها. فيما يرى الأمريكي في وجود عسكري مباشر، متواضع وغير مكلف، في سوريا، آخر الأوراق المتاحة له، ليكون على طاولة ترتيب المشهد السوري حينما يحين أوان ذلك. إلى جانب ورقة العقوبات، التي ستبقى عُرضة للبازار، الروسي – الأمريكي، خلال العام الجديد. لتكون معابر المساعدات الإنسانية الدولية مقابل تخفيف العقوبات أو عدم زيادة وطأتها. دون أن يتم رفعها بشكل نهائي. لأنه في حال ذهاب روسيا بعيداً في تهديدها بعدم التمديد لمعابر المساعدات عبر الحدود، فهذا يعني أن إدارة بايدن ستذهب بعيداً في تصعيد قانون قيصر ضد النظام السوري. والإجراء الأخير لا ترغب به موسكو حكماً، فهي لا تريد لنظام الحكم الحليف لها، المزيد من التأزم الاقتصادي.

أما الانفتاح العربي على سوريا، فسيبقى في حدود الرمزية السياسية –الدبلوماسية-، مهما ارتفع سقف الاختراقات. دون أن يصل إلى تغيّر نوعي حقيقي من قبيل الولوج فعلاً إلى إعادة إعمار سوريا. سيبقى ذلك الانفتاح على مبدأ جس النبض، والتعرّف على حدود ما يمكن أن يقدمه رأس النظام، في مقابله. وهنا ستبقى المعضلة، إذ لا يستطيع رأس النظام تقديم الكثير. فهو لا يستطيع إخراج الإيرانيين، كما أنه لن يستطيع لجم نشاط صناعة وتجارة المخدرات الذي بات مصدر "صُداع" للسلطات السعودية تحديداً. فهذا النشاط أصبح مصدراً رئيسياً للعملة الصعبة، ولتمويل شقيق رأس النظام، وحلفائه في حزب الله. وما دامت سوريا ترسخ مكانتها بوصفها "كولومبيا الشرق الأوسط"، يصعب تصور انخراط عربي جدّي في تمويل إعادة إعمارها. وما دامت إيران تمسك بجانب كبيرٍ، من زمام أمرها، يصعب تصور ضوء أخضر أمريكي، كامل، للانخراط العربي مع النظام. بل ما سيحدث على الأرجح، سيكون في الاتجاه المعاكس، تماماً. وهو ما تنبئ به "هجمات" الإعلام الغربي المتتالية، خلال 2021، في سياق توصيف دور نظام الأسد في نشاط صناعة وتجارة المخدرات بالمنطقة.

أمَّا الاقتصاد السوري، وعملته، فسيواصل المسار ذاته الذي كان عليه، باتجاه المزيد من النيل من معيشة المُرهقين والمكلومين، لصالح نخبة أمراء الحرب، ورموز النظام. إذ لم يعد أمام هؤلاء الكثير لنهبه، إلا جيوب من بقي تحت سيطرتهم. وستبقى الليرة السورية رهينة لاستراتيجية لجم الانهيار التي يعتمدها المركزي السوري، كل سنة، على الأغلب في النصف الأول منها، بعد أن تتخطى الليرة عتبات متدنية جديدة، غير مسبوقة.

باختصار، سوريا 2022 ستكون استمراراً كئيباً ومؤلماً لسوريا 2021. إلا إذا فاجأنا الفعل البشري، كما سبق أن فاجأ علماء السياسة في أكثر من مفترق طرق تاريخي، في أكثر من دولة بالعالم، بحدثٍ خارج نطاق التوقعات. تلك المفاجآت التي تصبغ الظواهر الإنسانية، فتجعل علومها أقل من مرتبة العلوم الطبيعية والرياضية من حيث اليقينية الحتمية، تبقى هي الاستثناء. فيما تبقى القاعدة؛ "ثبات المقدمات يؤدي إلى النتائج ذاتها".