رأي

في تفنيد فرضِيَّتَي "التطبيع العربي" مع الأسد.. لبنان نموذجاً

المشروع الإيراني حصد مكاسب كبيرة بالمنطقة
المشروع الإيراني حصد مكاسب كبيرة بالمنطقة

الطريق- إياد الجعفري


تقوم مساعي "التطبيع العربي" مع نظام الأسد، على فرضيتين، وفق المروّجين له، الأولى: أن هذا التطبيع سيساهم في تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا. والثانية: أن إيران تخشى بالفعل، من هذا التطبيع.

ويتم تداول هاتين الفرضيتين بكثافة في وسائل إعلام عربية وغربية، كما نجد إحدى هاتين الفرضيتين أو كلتيهما في تحليلات لمراكز أبحاث أمريكية. 

لكن، يندر أن نجد نقاشاً يستند إلى تجربة تاريخية أو مثالٍ ملموس يدعم هاتين الفرضيتين. إذ يتم إيرادهما وكأنّهما مُسَلّمتَان، في معظم الكتابات التي تتناول هذا الموضوع.

سنحاول في السطور التالية مناقشة الفرضيتين، بطريقة مختلفة عن المعتاد. ولنبدأ بالفرضية الأولى التي تقول إنَّ "التطبيع العربي" مع الأسد، وتحديداً، الاستثمار الاقتصادي في سوريا، سيؤدي إلى تحجيم النفوذ الإيراني في البلاد. ودعنا، نتناول إسقاطاً تاريخياً، قد يكون مفيداً في هذا النقاش. التجربة السعودية في لبنان خلال العقود الثلاثة الماضية، تحديداً، وإلى أين آلت اليوم؟

ما بين عامَي 1990 و2015، أبدت السعودية اهتماماً كبيراً بلبنان، واستثمرت فيه اقتصادياً وسياسياً، بصورة ملحوظة. وسمح ذلك لها بتحقيق نفوذ نوعي في هذا البلد، عبر رَجُلها، رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، الذي تصدر رئاسة الحكومة في معظم الفترة بين عامي 1990 و2005. ومن ثَمَّ، عبر ابنه سعد الحريري، الذي ورث دور والده، بين عامي 2005 و2015. 

ويمكن تقسيم الفترة المشار إليها، إلى مرحلتين، الأولى بين عامي 1990 و2005، حيث كان هناك تفاهم سوري – سعودي، سمح للرياض بأن تلعب دوراً بارزاً في لبنان، بالتنسيق مع حافظ الأسد، في دمشق. ولم تخلُ تجربة هذا التفاهم من بعض المنغصات والخضّات إلا أنه بقي صامداً طوال الفترة المشار إليها. وبعد اغتيال رئيس الوزراء الراحل، رفيق الحريري، عام 2005، مرّ التفاهم السوري – السعودي في لبنان بأزمة غير مسبوقة، إلى أن عاد العمل به عام 2009، في زيارة تصالحية قام بها الملك السعودي، عبد الله، إلى دمشق، حينها. 

لكن كلفة النفوذ السعودي في لبنان، خلال عقدين ونصف، كانت كبيرة للغاية. ففي تقرير يعود للعام 2016، نشرته صحيفة "الشرق الأوسط"، يتضح أنَّ السعودية استثمرت في لبنان، خلال الفترة المشار إليها (1990 – 2015) ما يصل إلى 70 مليار دولار أمريكي، "بين استثمارات ومساعدات ومنح وهبات، وقروض ميسّرة وودائع في البنوك والمصارف".

وهنا، يجب علينا أن نتوقف ملياً عند الرقم المشار إليه. وهو رقم كبير جداً مقارنة بحجم لبنان. ودعنا نسأل: هل عاد هذا الرقم الكبير من الأموال السعودية المستثمرة في لبنان، بعوائد سياسية مستدامة للرياض في هذا البلد الصغير؟

الجواب نجده اليوم؛ حيث تُبدي الرياض منذ أكثر من سنة ونصف، حالة لامبالاة حيال الوضع الاقتصادي المنهار في لبنان، وترفض تقديم أي مساعدات أو هبات جديدة، بعد أن يئست من جدوى هذا الاستثمار، وهي ترى أن البلد بات تحت الإرادة الإيرانية بشكل شبه كامل. وإن عدنا إلى الوراء بالتاريخ، يمكن أيضاً أن نقيّم حصيلة استثمارات السعودية الهائلة في لبنان، بين عامي 1990 و2005، وهي التي كانت إحدى أبرز المساهمين في إعمار البلاد بعد الحرب الأهلية. كيف انتهت حقبة التفاهم السوري – السعودي تلك؟ انتهت باغتيال رجل السعودية الأول في لبنان، رفيق الحريري، عام 2005. كما عادت استثمارات السعوديين في لبنان، بفوائد كبيرة على نظام الأسد، الذي استفاد بشكل كبير من الرئة اللبنانية. أي كان نظام الأسد هو المستفيد الرئيس من النفوذ السعودي في لبنان، والذي كان هشاً لدرجة أن أبرز ممثليه، تم تصفيته في وضح النهار، وسط العاصمة بيروت.

أمَّا بعد العام 2005، وحتى العام 2015، حينما تراجع النفوذ السوري المباشر، لصالح نظيره الإيراني، مُمثلاً بحزب الله، فهل استطاعت استثمارات السعودية الكبيرة في لبنان، ودورها في إعادة إعمار البلاد بعد حرب عام 2006، لجمَ النفوذ الإيراني المتنامي هناك؟ الجواب، يتضح اليوم، حيث تنسحب السعودية بشكل واضح من ذلك البلد، وهي تجر ذيول الخيبة. 

ووفق تقرير "الشرق الأوسط" الذي أشرنا إليه، وصلت استثمارات السعوديين في لبنان بين عامي 2004 و2015 إلى أكثر من 6 مليارات دولار. 

بالمقابل، ووفق دراسة تعود إلى العام 2015، صادرة عن معهد واشنطن للدراسات، فإن إيران كانت تموّل ذراعها في لبنان – حزب الله- بميزانية سنوية تقدر وسطياً بـ 200 مليون دولار. ونستطيع أن نلحظ أن السعودية كانت تستثمر في لبنان، أكثر من ضعفي هذا المبلغ سنوياً بين عامي 2005 و2015، لكن رغم ذلك، كانت الغلبة للنفوذ الإيراني، مُمثلاً بحزب الله.

التجربة السعودية في لبنان، تعطي دلالة واضحة تدعم خلاصة لا تحتمل الكثير من الجدل؛ وهي أن الاقتصاد وحده لا يستطيع أن يغلب النفوذ الميداني المباشر، بل على العكس، قد يستفيد أصحاب النفوذ الميداني المباشر من الاستثمار الاقتصادي لمنافسيهم، في تعزيز نفوذهم؛ عبر عوائد تلك الاستثمارات غير المباشرة. وهو ما كان يحدث في لبنان، ويدفع حزب الله لعدم الذهاب بعيداً في العداء مع السعودية. فاستثماراتها كانت في نهاية المطاف، تصب في صالحه.

في الحالة السورية، سيكون من العبث الرهان على نتائج للدور الاقتصادي العربي في سوريا، تختلف عن تلك التي خلصت إليها التجربة السعودية في لبنان. لذلك، لا تُبدي إيران أي ممانعة للانفتاح العربي تجاه الأسد. وهو ما ينقلنا للفرضية الثانية، التي يدعي أصحابها بأن إيران تخشى من دخول العرب إلى سوريا. فأين قرأ القائلون بذلك، هذه المخاوف الإيرانية؟

 

في تقرير ملفت، نشره مركز حرمون للدراسات المعاصرة، مطلع الشهر الفائت، بعنوان "النظرة الإيرانية للتطبيع العربي مع نظام الأسد"، يستقرئ معدّ التقرير ضياء قدور، موقف إيران من التطبيع "العربي" مع الأسد، عبر وسائل الإعلام الإيرانية، ليخلص إلى نتيجة مفادها، أن إيران لا ترى أي تهديدٍ جدّي لنفوذها في سوريا، جراء الانفتاح العربي على الأسد، بل ربّما العكس.

وما يؤيد هذه الخلاصة، عدم وجود أي مؤشرات لضغط إيراني على الأسد، للامتناع عن الانفتاح على العرب. بل ربما، العكس هو الصحيح. فإيران تعتبر قدوم العرب إلى سوريا، إقراراً بالهزيمة هناك، واعترافاً لها، بنفوذها في سوريا، وشراكةً معها تفيدها في النهوض باقتصاد حليفها. 

هل يجهل "المُطبعون" من العرب ذلك؟ بطبيعة الحال، لا. لكن، يجب تصدير بروباغندا إعلامية و"بحثوية"، لتبرير الإقرار بالهزيمة في سوريا، والقبول بالشراكة مع إيران هناك. هذا ما تفعله دول كالأردن والإمارات. فيما تمتنع السعودية، حتى الآن، جراء خبرتها العتيدة المخيبة للآمال في لبنان. 

"المُطبعون" العرب، مع الأسد، ينظرون للمشهد من زاوية أخرى تماماً، لا يقولها إعلامهم مطلقاً. المشروع الإيراني حصد مكاسب كبيرة بالمنطقة، ومع الانكفاء الأمريكي، يجب التعايش مع هذا المشروع، والتفاعل معه. وتلك باختصار، خلاصة الغاية من انفتاح بعض العرب على الأسد. فهي إقرار بانتصار إيران، وقبول بالتعايش والتفاعل مع هذا الانتصار في المدى المنظور.