رأي

عن إصلاح الائتلاف والفرصة الأخيرة

الطريق- عمار جلو


يزخر تراثُنا الشعبي بالكثير من الأمثال التي تغني المرء عن الإسهاب في الحديث، فيستعاض عن ذلك بمَثلٍ واحد، وقد قال أحدهم:

 "أن تأتي متأخراً خيرٌ من ألّا تأتي". وقال آخر باللهجة العاميَّة " بعد ما طيّروا العصافير، إجَا الصيَّاد ليتصيَّد" ولا أدري أيّهما الأنسب للحديث عن عملية إصلاح الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة التي تم الإعلان عنها مؤخراً!

أعلن رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، سالم المسلط، عن "وجود تحركات وقرارات جديدة لإصلاح الائتلاف وتطوير أدائه؛ لإعادته إلى مكانته في الأوساط الدولية والشعبية" ومؤكداً في الوقت ذاته على ضرورة حيازة الائتلاف للبُعد الشعبي والجماهيري، بقوله: "إنَّ تطوير علاقاتنا مع حاضنتنا الشعبية، التي نحن جزءٌ منها، يأتي على رأس أولوياتنا".

أُسِّسَ الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2012 في العاصمة القطرية، الدوحة، ونال اعترافاً وترحيباً إقليمياً ودولياً، وتم الاعتراف به كممثل شرعي ووحيد للشعب السوري.

فرّط الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة بهذا الاعتراف، بعد الفشل في تحويل هذا المكسب إلى إنجاز سياسي، وسط العجز الداخلي الذي يعانيه، ما أدَّى لنشوب صراعات داخلية بين الكتل السياسية والتيارات الفكرية المختلفة، ومع الزمن اتسعت الهوّة بين الائتلاف الوطني وحاضنته الشعبية.

كما فشل الائتلاف، خارجياً، في موازنةِ المصالح الدولية والإقليمية، وفهمِها في إطار المصلحة الوطنية السورية؛ ما جعل المعارضة، مؤسسة وتيارات، تنخرط في الصراعات الإقليمية على الساحة السورية وتوظّف نفسها أداة من أدوات هذا الصراع الإقليمي، بعيداً عن هدفها الثوري والشعبي.

 

خلال السنوات الماضية، جرت محاولات لإصلاح الائتلاف، انصبت في الإطار الشكلي بعيداً عن الإطار الموضوعي، والذي دق بابه الشيخ سالم المسلط من خلال حديثه عن تعديل قد يطال النظام الداخلي ومواضيع أخرى تملك الحساسية والأهمية ذاتها.

يترافق الحديث عن إصلاح الائتلاف بالحديث عن التيارات والشخصيات الثابتة والمتغيرة نتيجة عملية التغيير، أو بالشتم وكيل الاتهام للائتلاف وشخوصه، مع تحميله ما لا يحتمل من فشل أصبناه جميعاً، لذا سأتجنب الخطابين لتوجيه رسالة لعلَّها تنفع أهلها.

رغم ما قيل عن الائتلاف، وكثير منه صحيح، والأكثر جانب الصواب، إلّا أنَّ الائتلاف لم يتخلَّ عن مبادئ الثورة أو يفرط فيها؛ لذا فإنَّ عملية الإصلاح يجب أن تنصبّ على الآليات والمحددات دون المبادئ والثوابت.

تبدو استعادة القرار أمراً سابقاً للإصلاح، إذ إنَّ أيَّ عملية إصلاح ستكون عقيمة في ظل غياب القرار، والبحث عن مقر للائتلاف، بعيداً عن الدول المنخرطة في الشأن السوري، أمر جوهري ومساعد في عملية استعادة القرار واستقلاليته.

لا ينظر للكوتا السياسية، الإثنية، والعرقية، والدينية، نظرة ايجابية دائماً، ويمكن الاستعاضة عنها بفكرٍ، من ناحية الخطاب والعمل، مطَمئنٍ للشعب السوري بمختلف أطيافه؛ ففي ظل واقعنا المنحاز للقبيلة والدين والمذهب والحزب، غالباً ما تؤدي الكوتا لترشيح أشخاص لا يحظون بالشعبية في مجتمعاتهم المحلية، أو لترشيحات حزبية قائمة على الخدمة النفعية لأحد أعضائها دون أن يكون مؤهلاً لها.

كما يُرجَى النظر لجميع المشاريع العابرة لحدود الدولة الوطنية نظرة واحدة دون تمييز، والابتعاد عن إدانتها في مكان وتشجيعها في مكانٍ آخر بدوافع البراغماتية أو النفعية السياسية أو الشخصية، وإعادة تعريف الائتلاف ككل والمكونات المترابطة أو المحسوبة عليه، كالجيش الحر مثلاً، مع تجنّب قائده أي فعالية للتيارات المتطرفة، أو الإطراء عليها والقدح بمؤسسة المعارضة، كذلك الفصائلية الحاكمة بأمر البارود لا أمر الثورة ومؤسساتها.

تعتبر الشرعية ثمرة الحياة الديمقراطية القائمة على حكم الشعب نفسه بنفسه لنفسه، من خلال الأغلبية الحاكمة، إلا أنَّ العمل الثوري خارج عن الشرعية بتعريفه، وهو ما يثير الجدل القانوني بين الشرعية والمشروعية، باعتبار النظام الشرعي عن طريق "الانتخابات"، حتى ولو لم يكن محبوباً من الشارع لكنه ناشئ عن صناديق الاقتراع. واعتبار السلطة الثورية غير شرعية ولو حظيت بالشعبية؛ لعدم خروجها من صناديق الاقتراع.

لذا؛ فالمشروعية الثورية هي مشروعية الإنجاز أكثر ممَّا هي مشروعية الأصوات، خاصة في ظل غياب آلية ناجعة لعملية انتخابية، التي تقوم أساساً على برامج يطمح المرشحون لتنفيذها، في حين أنَّ أهداف الثورة واحدة، وهذا ما يحتاجه الأشخاص المؤهلون لتحقيق هذه الأهداف بمعزل عن الآليات الديمقراطية الحاكمة في الدول المستقرة، دون تكريس حكم ديكتاتورية آخر، وهو ما عبّر عنه محمد عبده بـ"المستبد العادل" خلال بحثه عن حلول تطبيق الديمقراطية في مجتمع غير مؤهل لها. 

أعادت الثورة السورية مجتمعها السوري للاهتمام بالحياة العامة، بعد زمن الإبعاد الأسدي/البعثي. 

نتيجة لذلك؛ تم تأسيس العديد من منظمات المجتمع المدني، سواء على صعيد النقابات أو المنظمات الخدمية والحقوقية والاجتماعية والإغاثية، وتمثل رافداً لكلِّ راغب في توسيع شرعيته؛ لما تتضمنه هذه المنظمات من حيوية الشباب وارتباطها المتواصل مع الجمهور، بالإضافة للخبرة التي اكتسبوها خلال عملهم وقابليتهم للتعلم والارتقاء.  

تبقى الشفافية والعودة للشارع، من خلال الإعلام واللقاءات المنتظمة، سلاحَ السياسي الفعال في مواجهة اللوبيات والمكونات وحتى الدول، يستطيع من خلالها وضع حد للعراقيل أو التدخلات التي تعترض المهمة الموكلة إليه، كما أنَّ غياب نافذة إعلامية خاصة بمؤسسة المعارضة سيُبقي القصور ملازماً لعملها، يحجبها عن الآخرين ويحجب الآخرين عنها، بالإضافة لتشتيت خطابها، وعدم ضبط خطاب شخوصها ضمن نهجٍ واحد.

غالباً ما تحمل أي خطة إصلاح يُعلِن عنها الائتلافُ الوطني لقوى الثورة والمعارضة، مزيداً من الخلافات والمهاترات، وتنتهي لاحقاً بالترضيات. فهل ستقتصر خطة الإصلاح التي ينويها الشيخ سالم على ما عهدناه في عمليات الإصلاح السابقة، أم ستطال جوهر المشكلة التي تعاني منها مؤسسة المعارضة السورية؟.. لاسيَّما مع تزايد الحديث عن إعادة تدوير النظام كمحصلة لفشل المعارضة.