رأي

مؤتمر "استعادة السيادة والقرار السوري" في جنيف

الثلاثاء, 24 أغسطس - 2021
المؤتمر محاولة لتحريك المياه الراكدة
المؤتمر محاولة لتحريك المياه الراكدة

الطريق- درويش خليفة


بات بحكم الواقع أنَّ نسج الحلول الجزئية لن ينتج لنا ثوباً يغطي جسد سوريا المُتعَب، والأكثر وضوحاً أنَّ الحلول الترقيعية لم ولن تفيد شعبنا الذي أنهكته السنوات العشر الماضية، وبأنَّ التطلع لإصلاح الأوضاع التي آلت إليها أحوال السوريين، يتطلب الشعور بالمسؤولية وإنتاج الأفكار والأدوات والوسائل اللازمة للخروج من حالة الاستعصاء الراهن للقضية السورية.

وفي محاولة لتحريك المياه الراكدة، عُقد في جنيف مؤتمر لاستعادة السيادة والقرار السوري من قبل مجموعة شخصيات سورية، بغية تجاوز حالة السكون التي تسيطر على الحل السياسي، ولا سيما بعد انتخابات النظام الرئاسية، واحتفال جماهير الأسد بالفوز الساحق على منافسيه في مسرحية أعدت وأخرجت بكل سذاجة سياسية واجتماعية، في محاولة من النظام لرسم الابتسامة على وجوه مؤيديه.

ولكن بالمقابل، تأخرت المعارضة في اللحاق بمتطلبات السوريين بالتغيير من خلال إدارة بنى الحكم وتقديم نموذج يتعارض مع النموذج الذي عهدوه قبل ثورتهم الشعبية؛ حتى صارت الفجوة كبيرة بين فكرة الثورة وأداء المعارضة، بكلِّ تصنيفاتها وتوجهاتها الفكرية، سواء أكانت الرسمية أو تلك التي تنشط على وسائل التواصل الاجتماعي.

ولحسن حظ المعارضة الرسمية، أنَّ "مجموعة العمل من أجل سوريا"، ساهمت برفع الحمل عن كاهلها، حينما اعتمد مجلس الأمن وثيقة جنيف 2012عقب موافقته على خطة لتطبيق البنود الستة المعروفة بـ "خطة أنان" وتصويت مجلس الأمن فيما بعد على القرارات الدولية 2118/2013 والقرار الآخر رقم 2254/ 2015 الذي صار خارطة الطريق الوحيدة للحل السياسي. 

مؤتمر جنيف الأخير، كغيره من المؤتمرات والمبادرات السورية وجميع الأوراق الصادرة ما بعد سبتمبر 2015 المطالبة بتنفيذ القرار الدولي 2254 وفق تسلسل بنوده، بعد أن أهملت المعارضة الرسمية البند الأول، وهو "هيئة الحكم الانتقالي" والقفز عليه بتقديم بند إنشاء الدستور إلى المرتبة الأولى، بناء على توصية الدول المتداخلة، خصيصاً، روسيا وتماهي تركيا معها، وبمباركة الأمم المتحدة.

وكما جرت العادة، مع كلِّ كيانٍ جديد يضم المعارضين السوريين الموزعين في الشتات، نجد العديد من الأوراق التي تتحدث عن وحدة سوريا، وسلامة أراضيها، وحماية الأقليات والمرأة والطفل، والأكثر تأكيداً على الإطلاق، الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان.

ممَّا لا شك فيه، أنَّ كل ما ذُكر آنفاً، أُمنية لكل السوريين وعلى اختلاف مشاربهم؛ ولكن كيف ومتى وما هي الخطوات العملية لذلك؟ هنا إذا لم يكن هناك إجابة، فلن يعود للورق المكتوب أي قيمة تذكر؛ لأنَّ الحل لم يعُد سورياً، بعد تدويل الملف السوري وتدخل دول عديدة، لكلٍّ منها رؤيتها ومصالحها، بعيداً عن مصالح أصحاب الأرض والجمهور.

ومع كلِّ نكسةٍ من هذا النوع، فإنَّ القاسم المشترك بين النظام والمعارضة الرسمية، شماتتهم من المؤتمرين، والنظر لحراكهم بازدراء شديد، ظناً منهما؛ أنَّ سوريا لا تحتمل سواهما في العمل السياسي المنظم. عِلماً أنَّ النظام لم يعمل على استقطاب هذه الأطراف التي تسعى لاستعادة السيادة التي فرَّط بها النظام، ولا المعارضة شرحت إمكاناتها لأقرانها من المعارضين لمشاركتهم المسؤولية في أسباب سلب قرارها من الدول الداعمة.

أمَّا، وبعد عقد من الزمن، أن يتم اختزال العمل السياسي وتحديد معايير الوطنية فقط من خلال الرموز والرايات، فهذه مصيبة بحق أولئك الذين تصدروا المشهد ووضعوا الصفة "سياسي"، في سيرتهم الذاتية.

رغم أنَّ مسار عمل اللجنة الدستورية التي شهدتها المدينة نفسها (جنيف) التي انعقد فيها المؤتمر الوطني، بين النظام وهيئة التفاوض، التي تشترك فيها كل منصات المعارضة؛ بدءاً من الائتلاف وانتهاءً بمنصة موسكو، لا يضعون أي راية في القاعة، سوى راية الأمم المتحدة.

باعتقادي، السياسة ليست لقاءات تلفزيونية ومقالات صحفية وحضور مؤتمرات بقدر ما هي "إدارة شؤون الناس"، وشؤون السوريين في الداخل والشتات تتطلب الكثير من العمل والإخلاص، وفهمكم كفاية.