رأي

"مفتي الجمهورية" آخر ضحايا الأسد.. فهل من مزيد؟

الطريق- دوريش خليفة

 

أخذ قرار رئيس النظام السوري بشار الأسد، بإلغاء منصب مفتي الجمهورية حيزاً كبيراً من تساؤلات وتنبؤات السوريين ووسائل الإعلام المعارضة خلال الأيام القليلة الماضية، حيث بدأت التكهنات تذهب باتجاهات قد تكون مغايرة لحقيقة المرسوم رقم 28 لعام 2021 القاضي بإلغاء المادة رقم 35 من قانون تنظيم عمل وزارة الأوقاف.

ومن بواعث القلق التي أثارها الشارع السوري المناهض، هو مدى الصلاحيات الممنوحة للمجلس العلمي الفقهي في وزارة الأوقاف، الذي يضم بين أعضائه ممثلين عن جميع المحافظات والطوائف السورية، بما فيها سبعة من المراجع الشيعية التي اصطفت إلى جانب الأسد في محاربة السوريين منذ انطلاقة الحراك الشعبي في آذار 2011.

الأشد استغراباً من قرار الأسد، هو إبعاد مفتي الجمهورية الأخير أحمد بدر الدين حسون عن المشهد العام، الذي كثيراً ما قدّم خدمات جليّة في سبيل بقائه قريباً من رأس النظام، إذ دفع خلالها العديد من التنازلات و"التضحيات" بمفهوم مؤيدي النظام، كان إحداها مقتل ابنِه "سارية" البالغ من العمر 21 عاماً في الشهر العاشر من عام 2011، عندما زجَّ مفتي الجمهورية بأبنائه في مواجهة المناوئين للنظام السوري.

وممَّا لا يدعو مجالاً للشك، أنَّ الأسد تعامل مع كل ممَّن حوله كأدوات يستخدمها لغرض السيطرة وبسط النفوذ، ويتم استبدالها بأدوات أخرى عندما تنتفي الحاجة إليها، وهناك أمثلة عديدة حدثت خلال العقد الماضي، كان أحد أهمها حجز السلطات بدفع من "أسماء" زوجة بشار على أموال ابن خاله "رامي مخلوف" رجل الأعمال المصطنع لصالح عائلة الأسد، بعد أنّ استفادت الأسرة الحاكمة من خدماته منذ لحظة توريث بشار الحكمَ في سوريا. 

كما أنَّ هناك العديد من الشخصيات الاقتصادية التي استغلها الأسد؛ أمثال: هاني عزوز، وفارس الشهابي ومحمد السواح وآخرين ليكونوا نافذته على المجتمع المحلي خلال معاركه المتلاحقة ضد مناهضي حكمه منذ منتصف عام 2012 حتى أواخر 2018 قبل أن يتخلى عنهم، بل ويطاردهم من أجل تحصيل الضرائب على أعمالهم التجارية.

ويُلاحظ من القراءة الأولية، أنّ الشارع السوري حمَّل تبعات قرار الأسد بشأن المجلس العلمي الفقهي إلى ترسيخ التوغل الإيراني على مفاصل الدولة السورية، إلا أنَّ الشيخ محمد الصواف عضو المجلس أشار إلى أنَّ" المرسوم الجديد ينص على أن تصبح صلاحيات الإفتاء كاملة للمجلس العلمي الفقهي، وتوسيع صلاحياته مع إدخال أمور أخرى لم تكن سابقاً ضمن اختصاصه مثل قضية الإشراف على المواقيت الدينية وغيرها".

وبصراحة، فإنَّ ضبابية المرسوم وعدم توضيحه أو مناقشته في مجلس الشعب السوري، جعله عرضة للتكهن والتندر، وتفسيراً لذلك؛ نلاحظ في السنوات الأخيرة أنَّ الأسد أجرى عدة تعديلات على تنظيم عمل وزارة الأوقاف، كان من أهمها إصداره القانون 31 في العام 2018 الذي يمنح بموجبه صلاحيات واسعة لوزير الأوقاف، بالإضافة إلى تحديد ولاية مفتي الجمهورية بثلاث سنوات قابلة للتمديد، على أن تتم تسميته بموجب مرسوم رئاسي بناءً على اقتراح الوزير، بينما كانت المدة في السابق غير محددة، ويعود تقديرها فقط لرئيس الجمهورية.

وعلى المستوى النظري، يكرّس القانون السلطة الدينية ويعزز من سيطرة السلطات الأمنية عليها، بالرغم من تكرار رأس النظام لمقولة " إنَّ سوريا آخر قلاع العلمانية في المنطقة".

علماً أنه على مدى العقود الخمسة الماضية، لم تعرف سوريا أي خلاف بين النظام ورجال الدين البارزين، سواء في عهد الأسد الأب أو إبَّان حكم ابنه الوريث، بل كان هناك تزاوج مصالح بينهما، ولا سيَّما منصب وزير الأوقاف ومفتي الجمهورية.

وهذا إن دلّ على شيء، فإنه يدل على ضياع الهوية السورية؛ بسبب الخلطة الغريبة التي أحدثها النظام في فترة حكمه، فتارةً كان ينادي بالقومية العربية وهو في حضن المشروع الفارسي المعادي للعروبة، وخلال ثلاثة عقود من حكم حافظ الأسد رفع بالإضافة للقومية راية الاشتراكية، بينما كانت ممارسته نفعية تخص الطبقة المقربة منه، أمَّا عن فترة حكم بشار، فقد دعا إلى أن تكون سوريا علمانية ونقل الاقتصاد إلى السوق الاجتماعي الحر، دون اتخاذ أي إجراء عملي  في ذلك الاتجاه، بينما كان يسير بركب المشروع المذهبي الراديكالي مع نظام ملالي إيران.

خلاصة القول: إنَّ الهدف من تغوّل السلطة السياسية والأمنية في سوريا على جوانب حياة مواطني الدولة، بما في ذلك الروحية، يعود إلى الأوتوقراطية في الحكم وغياب آليات رادعة للسلطات من خلال المساءلة البرلمانية أو الشعبية، الأمر الذي أدى ببشار الأسد إلى إصدار مراسيم وفق أهوائه وما تميله عليه الدول الداعمة لتثبيت حكمه، بعد كلِّ الجرائم التي ارتكبها بحق السوريين.